شاعر من جبل العرب

تغريدة الصباح

للشاعر: وديع ملحم العريضي

بقلم: عبد المعين الملوحي

إذا كان الهم الاجتماعي يشغل ديوان الشاعر “ثائر زين الدين”  “ورد” فإن الهم القومي يشغل ديوان الشاعر “وديع ملحم العريضي” وفي اعتقادي أن الهم الاجتماعي والهم القومي يلتقيان في نقطة واحدة هي أنهما ينطلقان معا من الشعب، فأحدهما يهتم بعيشه والآخر يهتم بمصيره، ويبقى الهم الذاتي يختفي تحت مشكلات الشعب كما تتوارى النار تحت الرماد.

ويبدو  الهم القومي واضحا في المقدمة الطيبة التي يفتتح بها الشاعر ديوانه، ويخاطب أمته:

“أرى بوضوح مستقبلك الآتي…

مشعلا للحرية… ينير ربى هذا الكون

كبيرة… كبيرة

فإليك يا أمتي

وأنت تثابرين في مسيرة شموخك، عبر مسالك الدروب الوعرة، وإلى جميع المناضلين الشرفاء، من أجل تحرر هذا الكوكب من الظلم..

والقهر.. والاستبداد…

أهدي كلماتي..

خصائص الشاعر:

1-            مزج الحبيبة بالأرض، والأرض بالحبيبة يفاجئك أول ما يفاجئك في الديوان هذا المزج الموفق بين الأرض التي تحبنا والحبيبة التي نحبها، فلا تدري أيهما يصف وأيهما يخاطب،

“أنت حلوة

توأمان للجمال

ص 7 قصيدة أنت وأرضي

أنت حلوة

وهواك

فوق نسرين فؤادي

مثل أرضي

ص 9 من قصيدة أنت وأرضي

أرصد الوطن في بوابة صمتك

لن نحيا أبدا غرباء

الغربة فينا

اشتياق الذات

لعناق الذات

ص 34-39 من قصيدة لن نحيا أبدا غرباء.

2- حب الوطن:

ويهزك في الشاعر حبه العميق لوطنه، ويبدأ هذا الحب بحب قريته “بيصور” التي أكره على مغادرتها لاجئا إلى “قنوات” في محافظة السويداء ثم ينتقل إلى حب وطنه العربي الكبير، وربما وصل أحيانا إلى حب العالم.

وحبيبتي من تكون

بيصور في القلب أنت

بيصور أنت في العيون

وقد علمته “بيصور” أن يكون طفلا من صخر وأن يكون بطلا:

علمتني بيصور معنى

أن يكون الطفل صخرا

علمتني بيصور معنى

أن يكون الموت مجدا

من قصيدة تغريدة الصباح ص 40-47.

وينتقل من قريته بيصور ليعدد مفاتن  وطنه تعدادا كاملا، جباله وأنهاره وأشجاره، في كل مكان، في الجنوب والشمال والشرق والغرب والجبل والوادي فترى صورة جميلة رائعة لوطنه الصغير المعذب “لبنان” وقصيدته:

“”عيناك وقد استيقظ الوطن” ص61-70

تجمع بين العاطفة الجياشة في قلبه والأماكن الرائعة في بلده الخالد الصامد:

“لأنك يا بلادي

الزاد والشلال والأقاحي

لأنك الخالدة الصامدة

من قصيدة لن نحيا أبدا غرباء ص 34-39

3- النضال الوطني والاستشهاد في سبيل تحريره:

ويدعو الشاعر إلى النضال والاستشهاد في سبيل تحرير الوطن المغتصب وتكاد هذه الدعوة تعم كل ديوانه ولا سيما في قصيدته” فداك بلادي” التي أهداها إلى عروس السويداء، الشهيدة زهر أبي عساف ويعرفها في هامش القصيدة هذا التعريف الموجز:

زهر أبو عساف: مواليد قرية سليم، محافظة السويداء، عام 1967

* آمنت بأن الدماء التي تجري في عروقها ليست ملكها بل هي وديعة الأمة فيها متى طلبتها وجدتها.

* لبت نداء الأمة.. وبذلت دمها فوق أرض الجنوب اللبناني في مواجهة العدو الصهيوني الغاصب بتاريخ 18 حزيران 1987 ويقول الشاعر على لسان الشهيدة:

يحيا وطني

وباسمه أهوى

عشقت الموت

لأجله أفنى

أفديه بعمري

وهو الأغلى

تحية تضحية يا وطني

كي تبقى

وستبقى الأعلى

قصيدة فداك بلادي ص23-27

ولا تقل قصيدته “صرخة شهيد” عن قصيدته تلك في الدعوة إلى النضال والاستشهاد.

4- التفاؤل بتحرير الأرض من الغاصبين:

وقصائد الشاعر في النضال حافلة بالتفاؤل بتحرير الوطن، ودحر الغاصبين، وهو تفاؤل يسوغه ما نراه في الجنوب اللبناني وفي فلسطين من أعمال بطولية خارقة تستهدف تحرير الأرض والإنسان:

لتقرع الطبول

ومدنا يثور

فليلنا نهار

وأمسنا نشور

في القلب يا حبيبتي

بذارنا كثير

سيقهر الدخيل

ويهتف الصغار

بشائر انتصار

صرخة الشهيد ص17-20

وحبك يا وطني

قسما

ستظل أرضك للغزاة

قبورا

(لن نحيا أبدا غرباء ص34-39)

5- ماذا يريد الشاعر من وطنه ولوطنه؟

والشاعر لا يرى في الوطن ترابا وأحجارا فحسب وإنما يراه أهدافا انسانية ومثلا عليا وفي قصيدته “بطاقة مناضل” يرسم هذه الأهداف والمثل:

أصابع يسراه

تتشبث بالتراب الممتزج بدمه

تعتصره

اعتصار شفة طفل جائع

لثدي أمه

طالبا من لبنها المزيد،

فماذا يريد هذا المناضل أن يعطي لوطنه وأن يعطيه وطنه:

أختصر الوطن بكلمة:

مقاومة

أشتهي حصاد بلادي بمنجل

اسمه التحرير

أنتسب لعائلة

أصلي منغرز في جذورها

كانغراز الجبل في باطن الوادي

عائلة اسمها

الأمة الواحدة

أعشق أنثى

تضاهي الملائكة

رقة .. حسنا.. سحرا.. وبهاء

إنها معبودتي المزمنة

أنثى تدعى

الحرية..

ويلح الشاعر في مطالبه على العدالة الاجتماعية.

7- شكوى

ولا بد لنا في نهاية هذا العرض الموجز لديوان “تغريدة الصباح”  من أن نعرج قليلا على شكوى الشاعر في قصيدته (كبرياء العاطفة ص87-94)، من أولئك الذين يعرقلون مسيرة الحياة وتقدم الحضارة وتحرير الوطن عندما يؤثرون أنفسهم على إخوانهم وانتماءاتهم على أوطانهم فيضيفون إلى طعنات العدو الغادر مسامير تخدش أقدام الذين ينيرون لهم دربهم:

ألم

لا يؤلمني جرح يصيب مني القلب

من طعنة عدو لي

بمقدار ما يؤلمني

خدش مسمار تتعرض له قدمي

وضعه في دربي

من أقدم له جسدي مشعلا

لكي أنير له الدرب…

تحية للشاعر المناضل ورجاؤنا أن يعود إلى قريته الجميلة “بيصور” وإلى وطنه المحرر”لبنان” وماذا نملك غير التحية وغير الرجاء..

الثقافة الأسبوعية ـ العدد 46 ـ السنة 32 ـ التاريخ 2/12/1989

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.