اعداء الماء والكهرباء

في فلسطين

 

أعداء ألداء للماء والكهرباء

 

منذ سنوات معدودات مررت بمدينة (الخليل) في فلسطين، كان لي فيها صديق، وقال لي: تعال انظر إلى بلدي، إنه بلد رجعي اسود وقلت له: لا بأس يزور المرء ويرى، ومضينا إلى الخليل، فإذا البلد قائم قاعد، المظاهرات تعمه من أقصاه إلى أقصاه والجنود المسلحون يملأون جوانبه وزواياه، والدماء في الشوارع تترك آثارها الغزيرة وسألنا الناس هنالك ما بال الناس؟ أتراهم يحتجون على وعد بلفور أو على مشروع التقسيم عام (1936)؟ أم تراهم يريدون جلاء الإنكليز وطرد اليهود؟ وقالوا لنا: الأمر أشد من ذاك وأدهى: قلنا: ماذا إذن: قالوا لا نريد الكهرباء.

وظننت أنهم يمزحون: كيف لا يريدون الكهربا، أفي العالم إنسان واحد لا يريد أن يتمتع بنعم الحضارة ومن أولى هذه النعم نعمة الكهرباء.

وقال لي شيخ هنالك عجوز لم يبق بينه وبين قبره غير خطوة واحدة:

نعم يا سيدي لا نريد الكهرباء، هل صرنا كفارا حتى نرضى بها: كلا فنحن والحمد لله مسلمون، الكفار يريدون أن يدخلوا الكهرباء أولا إلى مدينة خليل الرحمن التي ما تزال بعيدة عن رجسهم وتأتي السينما بعد ذلك ثانيا ويدخلها الرجال وحدهم ثالثا، ثم يدخلها النساء وحدهن رابعا، ثم يدخلها الرجال والنساء معا خامسا، ويا ويلنا إن حدث ذلك… لو حدث ذلك لرأيت هذه القبة تتصدع ثم تهوى على رؤوسنا، أفهمت الآن أن الكهرباء من حيل الشيطان.

وسكت العجوز وسكت يستحيل أن تفهم من لا يفهم، يستحيل أن توسع عقلا ضيقا متحجرا، ونظرت قليلا إلى اليمين، كانت المدينة تمتد كبيرة كثيرة العدد، تكاد تبلغ ثلاثين ألفا من السكان أو أربعين ألفا وتكاد تكون مظلمة وهناك في مستعمرة يهودية صغيرة كانت البقرات – نعم البقرات تحلب بوساطة الكهرباء.

إنه حقا أمر عجيب، لا نجد علمه إلا عند أمثال هذا العجوز في العمر وعند أمثاله في العقل.

ومسألة أخرى مثل هذه المسألة تجري في حمص في عام (1956).

لا نريد المسبح… المسبح يأتينا بالرجال وحدهم أولا، ثم بالنساء وحدهن ثانيا، ثم بالرجال والنساء معا ثالثا… فالأفضل أن نمنع المسبح رأسا.

ليست قضية المسبح غير قضية رياضية محضة، قضية تقوية أحجام الشباب قضية حفظ أرواح  هؤلاء الشباب الذي تبتلعهم مياه النهر أو مياه الساقية واحدا بعد واحد… تلك هي القضية لا يمكن أن تطرح على بساط البحث إلا على هذا الأساس وحده.

لقد عدت هذا العام إلى الخليل أزورها فرأيت الكهرباء تشع فيها كأنها الشموس، ورأيت الشيوخ في مسجد إبراهيم الخليل يقرؤون القرآن على ضوء مصابيح الكهرباء.

لم تفسد الكهرباء أخلاق أهل الخليل ولم يدخل الشيطان إلى قلوبهم ونفوسهم وعما قليل سأرى في حمص المسبح، وسوف أرى أجسادا قوية وعضلات مفتولة في جانب، وسأرى وجوها صفرا ولحما كثيفا في جانب آخر.

فأوقفوها إن استطعتم، أيها الخائفون من الماء والكهرباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.