إلى أخ بعيد وبعيد

يكتب إليك أخ حرم منك مرتين:حرمته أنت نفسك مرة،وحرمته الأقدار منك مرة أخرى،ولقد كان الحرمان الأول أقسى من الحرمان الثاني،ذلك لأن الأول كان إرادياً أنت الذي صنعته،ولأن الثاني ما يزال شيئاً خارجاً على إرادتك .

عندما مات أخوك أنيس قلنا:لقد نقص منا واحد،أبعدته عنا ظروف لا معنى لها،أشخاص لا مسؤولية عليهم.. أبعدنا عن نفسه دون مبرر،وأبعدناه عن أنفسنا دون مبرر،وقلنا:كفانا،أصبحنا أقل عدداً؛نقصنا واحداً،بدأنا نغيب وجهاً بعد وجه،فلنصنع عهداً جديداً من التقارب والتفاهم…وتمضي أيام وما تزال أظفار أنيس تنمو تحت التراب،وإذا نحن أكثر بعداً،وأشد جفوة،وأضرى تفرقاً،وأقل مبرراً..ووجدنا أنفسنا مرة أخرى نلقي أنفسنا بأيدينا في هوّة لا فراغ فيها،في حفرة لا عمق لها،في بحر دون ماء،في مستنقع دون طحالب…

وهكذا نحن في انتظار أخ ثان…لا تدري من يكون دوره منا،لنجدد العهد مرة ثانية وننقض العهد ألف مرة.. ونموت ولعنة الكراهية دون كراهية والعداوة دون عداوة،والنزاع دون نزاع تسبقنا إلى قبورنا.

ما أقسى هذا..أن يكون أخوك الصغير الحبيب الذي كاد يقد مرة نور عينيه،والذي ترك ثلاثة أطفال دون عائل، وغادر زوجاً دون مرشد…والذي فارقك مكرهاً إلى البلد البعيد دون مال،أن يكون أخوك هذا الصغير الحبيب في مثل هذا الوضع الكئيب…ثم لا تكتب إليه كلمة…ولا ترعى أولاده بقبلة حنان،ولا تمد إلى زوجه يد صديق…أن ترى هذا الأخ الصغير الحبيب هكذا إعلاناً عن حانة بعد أن غرقت في الخمر وأنت في طريقك سكران إلى البيت،أ تراه هكذا إعلاناً عن حانة ترى فيه دون أن تقرأه اسم صاحبها…وتهم أن تفتتح عينيك…فتنسى ما همت به،وتمر لا تنوي على شيء…لا تحفظ شيئاً من ذكراه ولا تترك على صفحته شيئاً من ذكراك…ولا تقبل حتى ولديه الصغيرين،وهما عندك مثل أولادك،ولا تضم حتى ابنته الصغيرة…وأنت لم تر حتى الآن وجهه في وجهها،وهو من بقايا أمك،ولا تمد يدك تصافح بها يد زوجه الوحيدة..وهي يد أختك..ثم تبقى مع ذلك خلي البال،مرتاح الضمير نقي الوجدان…لا تشعر أنك أسأت إلى أحد ولا إليه،ولا تظن أنك تخليت عن مروءة إذا تخليت عنه…وأقسى من هذا كله أنك تشعر أنه لو فعل فعلتك وسلك سلوكك لم يكن في نفسك عليه أكثر مما في نفسه عليك..

جرح قديم لا تذكره يوم كنت طفلاً تدغدغ بأصابعك آثاره تظن أنه جاء معك من بطن أمك.

أليس هذا العار الذي بلغ من العار أنك لا تعده عاراً،والحطة التي بلغت من الحطة أنك لا تحسها حطة،والواقع الذي ينبو به الواقع..ثم تجل وراء منضدتك تكتب إلى أخيك وتحاول أن تجد له كلمة حلوة فلا تجد غير هذا الكلام..

لقد صنعت ذلك كله بيديها امرأة سخيفة ونفذه بكل تفصيلاته رجل أكثر سخفاً.

يا عدنان

لقد فقد العالم قبل أن يخلق العالم عقله،وفقدنا نحن قبل أن نخلق عقولنا وقلوبنا معاً…فقدناها حتى ما نكاد نشعر أن بقي منها قشرة واحدة…ولا ذرة من رفات .

ويتحدث الأدب الحديث عن التمزق الإنساني وما عرفوا منه حبة رمل من صحرائنا،نحن في أعماقنا عشناه نأكله ونشربه ونضاجعه…

وتسألني بعد ذلك لم لم أكتب إليك وتريدني بعد ذلك أن أكتب إليك..

آمل أن يكون سلوكي بعد كتابك خيراً من رسالتي…

فلست أريد أن أكون أديباً كبيراً على حسابك،ولكني أريد أن أكون إنساناً ولو على حسابي.

عد إلينا يا عدنان فليس من شيء يمنع عودتك..ولعلي حين تعود،أن أصبح ثرثاراً كبيراً..هواء بلادنا يشتاق هزة ضحكاتك..وترابها يشتاق وقع أقدامك،وماؤها يشتاق شفتيك.ولسنا-ولا تقرأ هذا-أقل شوقاً إليك من هوائها وترابها ومائها.

دمشق 12/7/1964

 

أخوك

  عبد المعين الملوحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.