قصائد رثاء الأولاد

ذاع في أدبنا العربي القديم قصائد رثاء الأولاد من الذكور،فما تزال قصيدة أبو ذؤيب الهزلي نهز القلوب، وتستدعي المواجع!حتى جعلها بعضهم سلوى لأحزانه؛تروي كتب الأدب أن أبا جعفر المنصور قال لمن حوله،وهم يعزونه في مصاب:أفيكم من يحفظ قصيدة أبي ذؤيب؟فسكتوا،فتألم وجعل مصيبته فيهم ألا يكون أحد يحفظ هذه القصيدة أشد عليه من مصيبته!!

أمِنَ المنون وريبها تتوجعُ                

                        والدهر ليس بمعتب مَنْ يجزعُ

أودى بَنيِّ وأعقبوني غصةً

                        بعد الرقاد،وعَبْرةً لا تُقلــع

سبقوا هَوِيَّ،وأعنقوا لهواهمُ

                        فتُخرموا،ولكل جَنْبٍ مَصرعُ

فغبرت بعدهم بعيش ناصب

                        وإخـال أني لاحقٌ مُسـْتَتْبِعُ

وإذا المنية أنشبت أظفارها

                        ألفيتَ كل تميمـةٍ لا تنفـع

كما يصور ابن الرومي عاطفة الأب المفجوع تصويراً يحرك الأسى في القلوب،إذ يقول:

توَخى حِمامُ الموت أوسط صبيتي

                        فللهِ كيف اختار واسطةَ العِقْــدِ

وأولادُنا مثل الجوارح،أيُّهــا

                        فقدناه كان الفاجع البَيَّنَ الفَقْــد

ثكلت سروري كلَّه إذ ثكلتُه

                        وأصبحت في لذات عيشي أخا زهدِ

إلا أننا لا نكاد نقع في أدبنا القديم على قصائد في رثاء البنات كما هو الحال في رثاء الذكور -وهي-إن وجدت لا تبلغ درجة رثاء  الذكور!ولا تعدو أن تكون أمنيات بموتها،حتى لا تلاقي الهوان بعد أبيها.أما في أدبنا الحديث فإن أوتاراً كثيرة شدت إلى قيثارة الحزن،فسمعنا قصائد تبدت منها العاطفة الأبوية في قوافٍ دامعة،وكلمات خاشعة،فها هو ذا الشاعر (عبد المعين الملوحي) يصور لوعة الأم،وجزع الأب..يحاول أن يتجلد أمام زوجته وأن يخفف عنها بعد فقد ابنتهما (ورود) وبه من الأسى ما به.

الليلُ أقبلَ،والزقاق يغط في نوم عميقْ

وسهرتُ أرقب أمك الثكلى على حذرٍ وضيقْ

وتلوبُ في الحجرات تهتف:يا ورود.ولا جوابْ

وتُفَتَّح الأبواب تسألها،عسى يُخفيك بابْ

وأظل أخدعها،فإن نامت قتيلَ أسىً وسُهْدِ

أقبلتُ استرقُ الخطى،وأهيم في الحجرات وحدي

وجعلتُ أبحث مثلما بحثَتْ،وأفعل فعلَ أُمَّكْ

فلعلها نَسِيَتْ-وقد ينسى العجولُ-مكان نومِكْ

ويقدم الشاعر (خالد محمد الخنين) لموت ابنته فينثر كلماته دموعاً: “إن موت الأبناء مثل موت النجوم،وموت البجع الأبيض،وموت الأسماك يخلع النفس،ويطفئ قرص الشمس: وما دام الموت يجرفنا هذا الجرف الجماعي،ويقذفنا إلى الضفة الثانية دون أن يكون لدينا وقت للرفض أو الاحتجاج..فليس أمامنا سوى الإيمان بمن وهب الحياة وقدَّر الموت،ذلك هو الله سبحانه وتعالى”.

وتأتي قصيدة الشاعر بعد موت ابنته المفاجئ لتعبر عن جرح عميق في نفسه،وتكون الأبيات بعضاً من التعبير عن مدى الأسى والألم:

أهديت للترب أحلى العمر أجمعه

                        فمن يعيد لي العمر الذي ذهبا

ما كنت أحسب أنَّ الدهر يفجعني

                        حتى رأيت عليك القبر منتصبا

وماذا حال الأهل والدار والصديقات بعدها؟

الدار بعدك لَفَّ الحزنُ ساحتَها

                        والعامُ عامٌ من الأحزان قد كُتِبـا

تقول أختك،والأحزانُ تَعصِفُها

                        ألن نراها؟!فكيف الشملُ قد ثُلبا؟

تبكي عليك صبايا الحَيِّ مِنْ وَلَهٍ

                        دوامعاً مِنْ عيون خِلْتُها سُــحُبا

أين التي يُسعِدُ الأطفالَ بَسْمَتُها

                        أين التي ما علا صوتٌ لها لجبــا

ويدرك الشاعر (محمود مفلح) أن الموت ليس نهاية الأحياء،ويدرك أن هذا الفقد له أجر كبير!فإن الخلاّق العليم الذي فطر قلوب الآباء على حب الأبناء يعلم أية رحمة أودع في القلوب وأية لوعة تكوي هذه القلوب عندما تذوي رياحينها؟!روى الطبراني بإسناد جيد عن حبيبة أنها كانت عند عائشة-رضي الله عنها-فجاء النبي-صلى الله عليه وسلم-حتى دخل عليها،فقال: ما من مُسْلِمَيْنِ يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (سن البلوغ) إلا جيء بهم يوم القيامة حتى يوقفوا على باب الجنة فيقال لهم:ادخلوا الجنة،فيقولون: حتى يدخل آباؤنا،فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم.

والموت –كما أسلفنا- عند الشاعر المؤمن ليس نهاية الأحياء يقول محمود مفلح في قصيدته “نفحة من الخلود” وقد أهداها إلى روح طفلته (أمامة):

لا تقولي: ماتت. فإن فتاتي

                        في جَناب الرحمن،في الغرفاتِ

أنا لمّا وسَّـدْتُها بيمينـي

                        فاح عكرُ الخلود في راحـاتي

فانعمي (يا أُمامُ) عند مليكٍ

                        وأتِمـي   تلاوةَ    الآيـاتِ

تلك بوابةُ النعيــم،وهذا

                        مَوْرِدُ الخُلدِ فاشربي يا قطاتي..

ولا يغيب عن الشاعر وهو في غمرة الحزن،ثواب الله تعالى الذي أعده للصابرين:

فغداً نلتقي فهاهي تسقيني

                        فُراتــاً في غمرة الغمـرات

يوم يدنو من الرؤوس لهيبٌ

                        ويَضـجُّ الأنامُ بالدعــوات

ويود الإنسان لو يفتدي النفس بزوجٍ وصاحب وفتاة

يوم تجري إليَّ تحمل كأساً

                        كوثرياً فيا لكأس نجاتــي!!

هاك:بابا:أحضن الوجه والكأسَ،وأغفو في ظلها ساعاتِ

ولنقف لحظات مع مشهد وفاة إحدى بنات النبي-صلى الله عليه وسلم- وحزنه عليها.فإن ذلك يجعلنا أكثر تساؤلاً: لماذا خلا الأدب العربي القديم أو كاد من رثاء البنات؟ والنبي-صلى الله عليه وسلم- ضرب المثل الأعلى للرأفة بالبنت والرحمة بها. وقد صورت الدكتورة بنت الشاطئ،هذا المشهد،إذ قالت:

“وجاء الأب الثاكل،فدنا من ابنته الراقدة يودعها بادي الحزن والأسى،ثم انثنى في رفق نحو ابنته (فاطمة) التي أكبت على مضجع أختها تبكي. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح دموعها بطرف ثوبه”.

يقول أنس بن مالك-رضي الله عنه-شهدنا دفن بنت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ورسول الله جالس على القبر،ورأيت عينيه تدمعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *